ابن عجيبة

360

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يغوصون على أسراره ومعانيه . وهم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ؛ يتقنونها ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ على الوجه المشروع ، ويدفعونها لمن يستحقها ، لا جزاء ولا شكورا ، ولا لجلب نفع أو دفع شر ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ، كأنها نصب أعينهم . وخص بالذكر هذه الثلاثة ؛ لفضلها ؛ فإن الصلاة عماد الدين ، والزكاة قرينتها ؛ لأن الأولى عبادة بدنية ، والثانية مالية ، والآخرة هي دار الجزاء ، فلو لا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا ، وتعالى اللّه عنه علوا كبيرا . ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي : راكبون على متن الهداية ، متمكنون منها ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، الفائزون بكل مطلوب . الإشارة : قال القشيري : ألم ، الألف إشارة إلى آلائه ، واللام إلى لطفه ، والميم إلى مجده وسنائه ، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه ، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه ، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه . ه . ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين ، رحمة للواصلين ؛ إذ لا تكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب ، يكلمك ويناجيك ، وهذه حالة أهل مقام الإحسان . قال القشيري : وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد اللّه : دانيهم وقاصيهم ، مطيعهم وعاصيهم . ثم قال : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ؛ يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها - ، وفي الباطن يأتون بشروطها ؛ من طهارة السّرّ عن العلائق ، وستر عورة الباطن ، بتنقيته من العيوب ؛ لأن ما كان فيه فاللّه يراه . فإذا أردت ألا يرى اللّه عيوبك فاحذرها حتى لا تكون . والوقوف على مكان طاهر : هو وقوف القلب على الحدّ الذي أذن فيه ، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق ، بل رحم اللّه من وقف عند حدّه بالمعرفة بالوقت ، فيعلم وقت التذلّل والاستكانة ، ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط ، ويستقبل القبلة بنفسه ، ويعلق قلبه باللّه ، من غير تخصيص بقطر أو مكان أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ؛ وهم الذين اهتدوا في الدنيا ، وسلموا ونجوا في العقبى . ه . ثم شفع بضدهم ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 6 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 7 )